الوقت - أصبحت منطقة الساحل في السنوات الأخيرة إحدى أهم ساحات إعادة تحديد موازين القوى في القارة الأفريقية؛ وهي منطقة شهدت توسعًا في الوجود الروسي والصيني، إلى جانب التراجع التدريجي لفرنسا وغيرها من القوى الغربية. وقد أتاحت الانقلابات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وانسحاب القوات الغربية، وتشكيل ترتيبات أمنية جديدة، فرصة جديدة لموسكو وبكين لتعزيز موقعهما في واحدة من أكثر المناطق الجيوسياسية حساسية في أفريقيا. وبالطبع، تختلف أهمية منطقة الساحل بالنسبة لهاتين القوتين؛ فقد دخلت روسيا المنطقة بشكل رئيسي عبر مسار الأمن والأسلحة والتعاون العسكري، بينما اعتمدت الصين بشكل أكبر على الاستثمار والبنية التحتية والتجارة والوصول إلى الموارد. مع ذلك، لا يعني اختلاف الأدوات بالضرورة تضاربًا في المصالح، وتشير الأدلة إلى ظهور نوع من التكامل بين النهجين.
الساحل: فراغ السلطة الروسي والفرصة
أظهرت التطورات التي شهدها الساحل عام 2023، ولا سيما الانقلاب في النيجر، أن النظام الأمني القائم في المنطقة يواجه أزمة خطيرة. لم تكتفِ الحكومات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر بتقليص علاقاتها مع الغرب، بل اتجهت أيضًا نحو تعميق علاقاتها مع موسكو. في ظل هذه الظروف، برزت روسيا كشريك أمني بديل؛ وهو مسار أتاح فيه انسحاب القوات الفرنسية وتقليص الوجود الغربي مساحة أكبر لموسكو للمناورة.
ومن المؤشرات الهامة على هذا التوجه اجتماعات يوري يفكوروف، نائب وزير الدفاع الروسي، مع قادة مالي وبوركينا فاسو ووزير دفاع النيجر في سبتمبر/أيلول 2023، والتي كان جدول أعمالها تعزيز التعاون العسكري التقني والأمني. في هذا السياق، شكّلت دول مالي وبوركينا فاسو والنيجر تحالف دول الساحل، وهو تحالف يُمكن اعتباره جزءًا من عملية إبعاد هذه الدول عن الترتيبات الأمنية السابقة التي كانت تقودها فرنسا.
وتُعدّ إعادة هيكلة الوجود الروسي ذات أهمية خاصة. فالانتقال من فاغنر إلى "الفيلق الأفريقي" يُشير إلى تحوّل موسكو من استخدام قوة وكيلة يُمكن إنكارها إلى وجود رسمي مرتبط بوزارة الدفاع الروسية. ونتيجةً لذلك، لم يعد دور روسيا في منطقة الساحل يقتصر على أنشطة شركات الأمن، بل يُمكن تفسيره كجزء من سياستها الأمنية والعسكرية الرسمية.
ويتسق هذا النهج أيضًا مع الموقف المتغيّر لأفريقيا في وثائق السياسة الخارجية الروسية. إذ تُحدّد عقيدة السياسة الخارجية الروسية لعام 2023 أفريقيا كمنطقة ذات أولوية، وتُشدّد على دعم سيادة الدول الأفريقية، بما في ذلك من خلال المساعدة الأمنية. سعت روسيا أيضًا إلى تقديم نفسها كمزود أمني خلال قمتها مع الدول الأفريقية عام 2019، وهي عملية اكتسبت زخمًا بعد تراجع موقف فرنسا في منطقة الساحل.
"الأمن في مواجهة المصالح": النموذج الروسي
يواجه نفوذ روسيا في منطقة الساحل قيدًا هامًا: فالقوة الاقتصادية لموسكو لا تُقارن بقوة الصين أو الاتحاد الأوروبي. بلغ حجم التبادل التجاري الروسي مع دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى عام 2022 أقل من 20 مليار دولار، بينما يُقدّر حجم التبادل التجاري مع الاتحاد الأوروبي بنحو 275 مليار دولار، ومع الصين بنحو 200 مليار دولار. لذا، وللتعويض عن ضعفها الاقتصادي النسبي، اعتمدت موسكو على ميزة تتمتع فيها بقدرة تنافسية أكبر: الأمن والمعدات العسكرية.
من هنا، يتضح منطق "الأمن فوق المصالح الاقتصادية" في السياسة الروسية؛ أي أن موسكو تُقدّم الأمن والتدريب العسكري وحماية المنشآت الحيوية كأدوات للنفوذ، وتتوقع في المقابل الاستفادة من التعاون الاقتصادي والسياسي، أو الوصول الاستراتيجي. سمح هذا النموذج لروسيا بترسيخ وجود فعّال في دول الساحل دون امتلاك القدرة الاستثمارية للصين.
الصين: النفوذ من خلال الاقتصاد والبنية التحتية
في المقابل، اتبعت الصين نموذجًا مختلفًا. فقد دأبت بكين على تطوير علاقاتها الاقتصادية مع دول الساحل لسنوات، ساعيةً إلى ترسيخ مكانة طويلة الأمد لنفسها دون تأطير تعاونها في مواجهة مباشرة مع الغرب.
تستند سياسة الصين المعلنة إلى التعاون العملي، والمنافع المتبادلة، والشراكة متعددة الأطراف، وقد مكّن هذا النهج بكين من مواصلة الانخراط مع مختلف الحكومات.
ويُعدّ الوجود الصيني في النيجر مثالًا واضحًا على هذه السياسة. فقد نشطت الشركات الصينية في مجالات الموارد الطبيعية والنفط والبنية التحتية. ففي عام 2007، استثمرت المؤسسة الوطنية الصينية للطاقة النووية 300 مليون دولار في تطوير منجم لليورانيوم، وامتلكت المؤسسة الوطنية الصينية للبترول حصة 60% في مشروع مصفاة زيندار النفطية. وفي الوقت نفسه، شاركت الشركات الصينية في إنشاء مجمعات صناعية، ومناطق اقتصادية خاصة، وطرق، وسكك حديدية، ومرافق طبية.
إن أهمية موارد النيجر بالنسبة للصين تعني أيضاً أن التغيرات السياسية في البلاد لا تؤدي بالضرورة إلى توقف التعاون الاقتصادي. فإلى جانب اليورانيوم، تُعدّ موارد النيجر النفطية ذات أهمية بالغة لبكين، حيث وقّعت شركة سينوبك مذكرة تفاهم في عام 2023 لتطوير حقول نفطية جديدة. ولذلك، يركز نهج الصين على الحفاظ على استقرار نسبي واستمرار الوصول الاقتصادي بدلاً من الاعتماد على نوع الحكومة.
وقد تم اتباع هذا النموذج أيضاً في مالي، حيث واصلت الصين تعاونها الاقتصادي بعد انقلاب 2020، وفي عام 2022 وقّعت اتفاقية لبناء مصنعين للغزل في باماكو وكوتيالا، مما سيخلق حوالي 5000 فرصة عمل.
"الصين هي المال، وروسيا هي القوة"
باختصار، تُقدّم الصين "المال والبنية التحتية"، بينما تُقدّم روسيا "الأمن والقوة العسكرية". تُرسّخ الصين علاقات اعتماد طويلة الأمد من خلال مبادرة الحزام والطريق، والقروض، وبناء الطرق، والموانئ، وشبكات الاتصالات، والمشاريع الاقتصادية الكبرى. وتمتلك الصين عقود بناء في أفريقيا بقيمة 61.2 مليار دولار بحلول عام 2025، ما يجعلها أكبر دائن ثنائي رسمي للقارة. في الوقت نفسه، يتوسع الوجود الأمني الصيني، حيث افتتحت بكين أول قاعدة عسكرية لها في الخارج في جيبوتي عام 2017.
لكن روسيا أظهرت تفوقها النسبي في البيئات التي تواجه فيها الحكومات تهديدات أمنية، وإرهابًا، وهياكل عسكرية ضعيفة. وقد مكّن هذا موسكو من ترسيخ وجودها بسرعة أكبر في الفراغ الأمني الذي خلّفه انسحاب فرنسا وتراجع الغرب. كما تُنقل موسكو معدات عسكرية وأسلحة وعتادًا عسكريًا روسيًا إلى مدغشقر، ولا سيما مركبات قتال المشاة BMP-3، كجزء من استراتيجية لزيادة نفوذها تدريجيًا في الدول الأفريقية.
في الوقت نفسه، أبدت موسكو اهتمامًا بتعزيز نفوذها الثقافي. أنشأت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية أبرشية خاصة بها في أفريقيا، تضم مئات الكنائس، في حين تعمل وزارة الخارجية الروسية في الوقت نفسه على تعزيز التعاون مع الحكومات ووسائل الإعلام.
كما ورد أن المؤسسات العلمية الروسية تُعدّ بعثات استكشافية إلى أفريقيا تحت غطاء الحفاظ على التراث الثقافي، لا سيما في ناميبيا وإثيوبيا.
تعاون أم تنافس؟
على الرغم من الاختلاف الجوهري في الأدوات، فإن الأدلة المتاحة لا تشير بالضرورة إلى تنافس مباشر بين روسيا والصين في منطقة الساحل. يستخدم كلا البلدين خطابًا مناهضًا للاستعمار وينتقدان نماذج التدخل الغربي، وفي بيان مشترك صدر في مارس/آذار 2023، أكدا دعمهما لجهود الدول الأفريقية في حل مشاكلها بشكل مستقل. كما يُظهر تعاون البلدين في مجالات البنية التحتية والطاقة والتصنيع، في إطار مبادرة الحزام والطريق ومشاركتهما في أطر مثل مجموعة البريكس، وجود مصالح مشتركة بين موسكو وبكين.
ومن الأمثلة الأخرى نشاط الشركات الروسية والصينية في مجال تعدين الماس في جمهورية أفريقيا الوسطى، مما يدل على أن التعاون الاقتصادي بين الجانبين في أفريقيا لم يقتصر على المستوى السياسي فحسب. من هذا المنظور، قد يُتيح التقسيم غير الرسمي للعمل بين القوة الأمنية الروسية والقدرة الاقتصادية الصينية لكلا القوتين توسيع نفوذهما دون الدخول بالضرورة في منافسة مباشرة.
الآثار الاستراتيجية على الغرب
لا يقتصر توسيع هذا النموذج المزدوج على المنافسة الاقتصادية أو الأمنية في أفريقيا فحسب. فمنطقة الساحل تقع قرب الحدود الجنوبية لأوروبا، وتؤثر حالة عدم الأمن والإرهاب والهجرة والتطورات الأمنية فيها بشكل مباشر على الدول الأوروبية.
وقد ساهم وجود روسيا في القواعد والمطارات ونقاط الإمداد في المنطقة، إلى جانب النفوذ الاقتصادي والبنيوي للصين، في خلق بيئة استراتيجية جديدة لأوروبا.
في نهاية المطاف، تنبع أهمية منطقة الساحل بالنسبة لروسيا والصين من كونها تعاني من فراغ أمني، وموارد طبيعية هائلة، وموقع جغرافي حساس، وحكومات تسعى إلى تقليل اعتمادها على الغرب. وقد ابتكرت روسيا، بالاعتماد على القوة العسكرية والتعاون الأمني، والصين، بالاعتماد على رأس المال والتجارة والبنية التحتية، مسارين مختلفين، ولكنهما متكاملان إلى حد كبير، لتحقيق النفوذ.
الغرب يسعى إلى تكرار النموذج السوري في منطقة الساحل
أظهر الهجوم الذي شنته في أبريل/نيسان الماضي مجموعة من الميليشيات الانفصالية الطوارقية وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين التكفيرية (التي تعتبر نفسها جزءًا من تنظيم القاعدة) على مدينة كيدال الاستراتيجية شمال مالي، والذي أدى إلى انسحاب قوات الاتحاد الأفريقي، أن أوروبا تأخذ التنافس في هذه البيئة الاستراتيجية على محمل الجد، وقد اتجهت إلى تجهيز وتنظيم الميليشيات لمواجهة الوجود والنفوذ الروسي في منطقة الساحل.
ويشير الهجوم المنسق والمتعدد المحاور على العاصمة باماكو، والمعسكر في كاتي، بالإضافة إلى مواقع استراتيجية في شمال البلاد، بما في ذلك كيدال وغاو وسواري وموبتي، إلى وجود مقر قيادة مركزي ونظام قيادة وسيطرة موحد؛ هيكل قادر على توجيه عمليات وحدات مختلفة في وقت واحد على مساحة واسعة. ويبدو أن نموذج القيادة والسيطرة هذا قد تم تطويره بدعم وخبرة جهات أجنبية.
كان منزل وزير الدفاع المالي، الجنرال ساديو كامارا، الذي اغتيل بتفجير سيارة مفخخة، من أوائل الأهداف وأكثرها حساسية لهذه الهجمات. ويتطلب أي هجوم ناجح على منزل مسؤول رفيع المستوى كهذا الوصول إلى معلومات دقيقة ومحدثة حول تحركاته وجدوله اليومي. وهذا قد يشير إلى امتلاك المتمردين شبكات استخباراتية واسعة النطاق، وإمكانية اختراقهم لأعلى مستويات السلطة في مالي. وبناءً على ذلك، يُشاع أيضًا استخدام بعض العناصر المرتبطة بالدول الغربية لتقديم الدعم الاستخباراتي والعملياتي للجماعات الانفصالية والإرهابية، وهو نموذج سبق أن طرحه الغربيون للنفوذ الروسي الواسع في سوريا.
عمومًا، ورغم أنه لا يمكن الحديث بعد عن تشكيل "محور روسي-صيني" متكامل في منطقة الساحل، فإن التوجه الحالي يُظهر أن التعاون والتنسيق بين القوتين، على الأقل في الوضع الراهن، يتفوق على التنافس المباشر. سيتوقف مستقبل هذا التعاون أيضاً على كيفية تطور تحالف دول الساحل، ومدى استمرار تراجع الغرب، وقدرة موسكو وبكين على تنسيق مصالحهما المختلفة في المنطقة.
